الشيخ السبحاني

217

بحوث في الملل والنحل

يكن في النصوص عليه شاهد ، أو كان من المجاز البعيد ، فهذا هو التأويل الباطل ، وهو يلازم الخروج عن الملّة والدخول في الكفر والإلحاد . كما أنّ التأويل بلا قيد وشرط كفر وضلال ، كما عليه الباطنية ، فهكذا التعبّد بالظواهر الابتدائية والمعاني التصوّرية ، وعدم الاعتناء بالقرائن المتّصلة أو المنفصلة أيضاً كفر وضلال وتعبّد بالتجسيم والتشبيه . إنّ المتحرّي للحقيقة يتبع الحق ولا يخاف من الإرهاب والإرعاب ، ولا من التنابز بالألقاب ، فلا يهوله ما يسمع من ابن تيمية وابن عبد الوهاب من تسمية المنزهين للحق عن الجهة والمكان ، معطّلة وجهمية ، وتلقيب القائلين ببدع اليهود والنصارى بالموحّدين والمثبتين ، فلا يصرفنّك النبز بالألقاب إلى الانحراف عن الحق الصراح ، الّذي أرشدك إليه كتاب اللّه وسنّة رسوله القويمة ، والعقل الّذي به عرفت اللّه سبحانه ، وبه عرفت رسله ومعاجزه وآياته . وممّا يدلّ على أنّ السلف لا يحملون الصفات الخبرية على ظواهرها ، بل لا يتكلمون ويفوضون الأمر إلى اللّه ، هو ما نقل عن عالم المدينة مالك بن أنس عندما سئل عن قوله سبحانه : « ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ » أنّه كيف استوى ؟ قال : الاستواء معلوم ، والكيف غير معقول . « 1 » نعم إنّ ابن تيمية وأبناء الوهابية يحكون عنه أنّه قال : « الكيف مجهول » ، والفرق بين العبارتين واضح ، فالأوّل يهدف إلى التنزيه ، والثاني يناسب التجسيم ، إذ

--> ( 1 ) . نقله الذهبي في كتابه « العلو » عن مالك وشيخه ربيعة ، كما نقله أيضاً بالسند عن أبي عبد اللّه الحاكم وابن زرعة ، لاحظ فرقان القرآن ص 14 - 15 ونقله عن الإلكائي في شرح السنّة .